ابن عربي

47

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

بالجنب لأنّ فيه تجليا لا عن مقابلة وهو انحراف كون لأن الرؤية في صورة الكون حصلت . فقلت لها : بلّغ إليه بأنه * هو الموقد النار التي داخل القلب الضمير في لها يعود على الصّبا ، والضمير في إليه يعود على المعنى الذي عنه يسكنه يقول : إنّ اللّه منجز من المحبوب في النفس هو الذي يقع به العشق يقول : فهو الذي أوقد نار الشوق والوجد الذي في القلب وما أوقدها إلا وقد علم أنه منها في حمى ذاتي أي لا تعدو عليه فلم يبق اعتداء هذه النار إلا على المحل ، فلا ذنب للصب في إحراق محل الحب ومسكن المحبوب . فإن كان إطفاء ، فوصل مخلّد * وإن كان إحراق فلا ذنب للصّبّ يقول : إذا جاء برد السرور وثلج اليقين فيحجب سلطان هذه السلطوات لبقاء العين ، فيكون الوصل دائما ، وإن تركت سطواتها فلا يبقى هناك من يعمر هذا المقام ، فلا ذنب على الهالك ، وهذا كلام غلبة الحال كما قال صلى اللّه عليه وسلم وهو يناشد ربه ببدر « 1 » : « إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد بعد اليوم » « 2 » وما كان ذلك إلا من غلبة الحال عليه ، وأبو بكر « 3 » رضي اللّه عنه يسكنه يقول : إن اللّه منجز لك ما وعدك فهذا من ذلك الباب ، وهو باب من ملكه الحال ، ومن هنا نقول : إنّ الأنبياء قد تملكهم الأحوال مثل هذا سواء . [ انطلاق الروحانيات الملكية في الفسحات العلا لا يقيدهم مكان وبكاؤه على هذه الحالة ووصفه لها ] وقال رضي اللّه عنه : غادروني بالأثيل والنّقا * أسكب الدّمع وأشكو الحرقا « 4 » لما عاين جلساءه من الروحانيات الملكية قد رحلوا عنه جائلين في الفسحات العلى لا يقيدهم مكان طبيعي وبقي مرتهن هو بهذا الهيكل وتدبيره مقيد به عن الأنفاس في مسارح فرج تلك الأطباق العلى جعل يسكب الدمع بذلك ويشكو حرقة الشوق الذي بفؤاده حلّ به ، والأثيل عبارة عن أصله الطبيعي يريد الطبيعة ، والنّقا عبارة عن جسمه فإنه أفضل ما انتقى ، فمن هذه الطبيعة هذا الجسم الإنساني فإنه أعدل النشآت الطبيعية ،

--> ( 1 ) بدر : مدخل واد بين مكة والمدينة على بعد ( 28 ) فرسخا من المدينة . كانت به غزوة بدر المشهورة في السنة الثانية للهجرة سنة 623 م وكان النصر فيها للمسلمين رغم قلة عددهم . ( 2 ) أخرجه الطبراني في ( المعجم الكبير 10 / 181 ) ، والبيهقي في ( دلائل النبوة 2 / 354 ) . ( 3 ) أبو بكر الصديق : عبد اللّه بن أبي قحافة ( 51 ق ه - 13 ه / 573 - 634 م ) أول الخلفاء الراشدين وأول من آمن بالرسول من الرجال . ولد بمكة . سيد في قريش وعالم في الأنساب . حارب المرتدين وفتح بلاد الشام والعراق . ( الرسالة القشيرية ص 122 ) . ( 4 ) الأثل : جنس أشجار وجنبات من فصيلة الأنثليات . تستعمل أخشابه في صناعة السفن وبعض الأدوات ، وهو يعرف في بلاد الشام بالطرفاء ، وفي مصر بالعبل . واحدته : أثلة ( ج ) أثلاث . -